|
هذه المقالة نبذة مختصرة للرسالة التي أرسلها العلامة (ناصر سبحاني)
إلى معشر النبيين حاملة أخبار وآلام الأمة الإسلامية والشعب الكوردي,
وذلك بمناسبة فاجعة حلبجة وقصفها بالغاز الكيمياوي في عام 1988, حيث
سجل العلامة الشهيد هذه الرسالة على شريط واحد في تلك الأيام, ونظرا
لقلة تداولها فهي مهجورة ومكتومة حتى الآن.

(رسالة آلام من أرض بلايا, رسالة ما
كان أيسر أن تكتب بمداد الدم المستحل لولا أن الدماء المهراقة ملطخة
بسموم من مصانع علم الكيمياء!
إلى معشر النبيين! يتلوها عليهم خاتم
جمعهم, الأقرب عهداً بالأرض التي منها ترد الرسالة, من أبناء أمة طالما
تداولتها أمواج البلايا إلى أن انتهى بها الأمر إلى يوم حلبجة.
نحمد اللـه إليكم؛ لقد من اللـه علينا
إذ بعثكم تهدوننا لينعم علينا معكم, وإذ مكننا من أن نشكو إليكم بثا قد
يئسنا أن يفقه كثيرا مما نقول فيه, من على أرض الظلم والجهل والسذاجة
والغباوة. ونسأله أن يصلي ويبارك عليكم, يا من لولاهم ما اهتدينا إلى
عبادة اللـه واجتناب الطاغوت، كمثل كل ظلوم وجهول, وما تأتى لنا أن
نعرف عدو اللـه وعدونا من أوليائه وأوليائنا، شأن السذج منا والأغبياء!
الاستاذ الشهيد ناصر السبحاني
وندعوه أن يغفر لنا ولإخواننا الذين
سبقونا بالإيمان, ويفرغ علينا صبرا نقاوم به عواصف أرض شهرزور!
أما بعد، فيا معشرا هم آذان خير, حين
لا يجد ذو القلب الكليم من يحسن الاستماع لأحاديث الحسرات, ويدرك ما
بالنفس من حرقة الحزازات, إليكم نبأ ويا له من نبأ, نعم! ما هو بأول
نبأ عن أمتكم ولا بآخر نبأ, ولكنه نبأ عظيم, عظمة جبال كوردستان, وإن
كان يجهله الناس, جهالة تاريخ الشعب القاطن في جبال كوردستان..
ومعذرة اليكم من كون الطروس والسطور
متلطخة بالسموم, فإنه كذلك قد أصبح الهواء والأرض والسماء في ديار
كوردستان!
ولعمر الحق لقد ذكّرنا يوم حلبجة بكل
ما قص اللـه علينا من أنباء قراكم, ذكرنا بعهد شيخكم المعمر, إذ أرسله
اللـه إلى قومه, رسولا نذيرا مبينا, داعيا الى عبادة اللـه سالكا في
الدعوة كل طريق ناصحا أمينا, فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ولكنهم
كفروا وكذبوا وجعلوا أصابعهم في آذانهم واتهموا عبداللـه ورسوله
بالضلال وبالجنة.
وذكرنا بكم إذ جئتم على طريقة نوح,
وإذ سار من أرسلتم اليهم ــ إلا قليلا منهم ــ سيرة الذين كفروا من قوم
نوح.
وإذ علا فرعون في الأرض وجعل أهلها
شيعاً يستضعف طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وإذ استخف قومه
فأطاعوه إذ قال: أنا ربكم الأعلى.
وذكرنا ببني اسرائيل وكفرهم وسيئاتهم
من بداية عهد موسى إلى نهاية عهد محمد؛ بل ما غاب بنو إسرائيل قط
فنحتاج إلى تذكير، فانه ما أتى على أمتكم من بعد أن لحق بكم خاتمكم يوم
إلا وهم مصبحون على سيئة يهودية أو نصرانية، وما يوم حلبجة ـ على عظمته
ـ إلا واحدة من سيئات أولئك الملاعين..
ولقد تألب على أمتكم بعد أن توفى
اللـه خاتمكم الأيدي اليهودية، والنفاق المتربص بالمؤمنين الدوائر،
وكسروية الفرس المحطمة، وقيصرية الروم المزلزلة، وجهل الذين كانوا قد
أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم فسامتهم سوء العذاب، فما راع
المؤمنين بعد وفاة نبيهم إلا الفتن تحيط بهم مما كاد يقضي عليهم لولا
عزم إمام الصديقين.
وبلغ السيل الزبى يوم خرجت تلك اليد
الكسروية الأثيمة من كم النفاق الماكر، فاغتالت الفاروق بين الحق
والباطل، ولعمر الحق لقد كان ذلك بداية انحطاط الأمة؛ لم يأت عليها يوم
إلا ازدادته هبوطاً غير أيام معدودات.
فلو رأيتم إذ اليهود والنصارى منتشرون
في الأرض يعيثون في الأرض مفسدين، وإذ المنافقون متربصين بالبقية
الباقية من السابقين الأولين من أصحاب الخاتم والمتبعين لهم باحسان، إذ
أصبح الخيار مستهدفين لقذائف المكايد، وإذ صاروا يضطرون إلى حروب كأنها
لم تكن قد أثيرت إلا لتذهب بأمثال عثمان وطلحة والزبير وعلي، حتى إذا
تناثرت أوراق زهور حديقة الخاتم من أصحابه السابقين واستبدل بالخلافة
الراشدة الملك العضوض لوى الشياطين الأزمـّة يوضعون خلال المؤمنين
يبغونهم كل سوء.
وكم أصابتنا من البلايا العظام على
أيدي الملوك إلا قليلاً منهم كانوا صالحين!
وهل أتاكم أنباء هدم البيت الحرام
مرتين؟! واستحلال الحرم النبوي، وهتك أعراض المؤمنات؟! أم هل أتاكم
أنباء ضحية الكعبة (ابن الزبير)، وذبيح كربلاء (ابن علي) وصريع البغي
(ابن جبير)، وفلان وفلان وفلان؟!
أم هل أتاكم نبأ المغول إذ فتحوا وهم
من كل حدب ينسلون، فجاسوا ببأسهم الشديد خلال الديار، وأهلكوا الحرث
والنسل، أم هل أتاكم نبأ النصارى اليهوديين وحروبهم الصليبية، إذ ساءوا
الوجوه ودخلوا المسجد كما دخل الأولون، وتبروا ما علوا تتبيراً، وما
ذلكم بكل ما أصابنا، فإنه قلما أتى علينا يوم لم نذق فيه مرارة بلاء،
وما كل ذلكم إلا من آثار سيئات الملك وحواشيه.
يا معشر الغيارى، تلكم أنباء ما قد
سبق، وأما اليوم فأرض المنتسبين إليكم مقطعة؛ كل قطعة منها موضوعة في
يد زنيم من الطغاة جُنُب متدل في حلق أهل قطعته يذبح أبناءهم ولا يستحي
نساءهم، والناس قد بعث عليهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولبسوا
شيعاً وأصبحوا يذوق بعضهم بأس بعض.
وكأننا بكم تسألون قائلين: فأين الذين
أوتوا القرآن؟ الذين أخذ اللـه ميثاقهم لتبيننه للناس ولا تكتمونه.
أليسوا قد بينوا ماأنزل اللـه من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس
في الكتاب، فهم الآن يجاهدون في اللـه حق جهاده ليكون الرسول شهيداً
عليهم، ويكونوا شهداء على الناس مقيمين الصلاة ومؤتين الزكاة ومعتصمين
باللـه مولاهم ونصيرهم؟
فإليكم يا خير شهداء على المسلمين،
الشهداء على الناس أبناء أولئكم، ومعذرة إليكم من أننا لا نجد من ذلكم
إلا ما يسوؤكم كثيراً ويسركم قليلاً!
إذا استثيننا ممن يُسمون العلماء من
يعلمون ويعملون بما يعلمون، وهم آحاد من ألوف، فإن الآخرين على ما
سنتلو عليكم.
أما علم الكتاب والحكمة، فلعمر الحق
إن كثيراً منهم لأبعد عنه من الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا
أماني، ولعلكم تسألون عن سبب تسميتهم العلماء وهم أجهل من الأميين
فنقول: لقد قام رجال رأوا من بعد المسلمين الأولين، الحاجة في البقاء
على العلم بلسانهم لسان القرآن أو كسب العلم به، إلى الاطلاع على ما
بني عليه مفردات وتراكيب هذا اللسان من الأصول، فقاموا بالكشف عن تلكم
الأصول في كنون سموها متن اللغة والوضع والاشتقاق والصرف والنحو وغير
ذلكم، ليتعلمها من يشاء استعداداً لعلم الكتاب والحكمة، فطال عليها
الأمد، فظُـنـّت مقصودات لذواتها، ونشهد اللـه أنهم لم يأخذوا مما
أخذوا إلا قشورا لا تعينهم على علم لغة العرب فضلاً عن علم الكتاب
والحكمة، وهناكم آخرون قد تعلموا من علم العربية شيئاً ومن علم الكتاب
والسنة شيئاً، ولكنهم إنما تعلموا ذلكم ليشتروا بآيات اللـه ثمناً
قليلاً.
ولكي نكون قد أنصفنا ننبئكم بأن هناكم
فريقاً يظهرون بمظهر تقوى وصلاح، حتى إذا وقع لهم ابتلاء وفتنة ضلوا
وأضلوا، وذلكم لأنهم أخذوا من العلم ما أخذوا في معزل عن الحياة وعما
يجري على الأرض من الأحداث، فلم يكسبوا ما يقيهم مكر الشياطين حين
يمكرون.
ولكن عندنا بعد هذه الأنباء التي تسوء
كثيراً وتسر قليلاً، يا معشراً بعثوا للدعوة إلى عبادة اللـه واجتناب
الطاغوت، نبأ يسر كثيراً والحمد للـه، وإن كان فيه من غير ما يسر شيء،
ذلكم نبأ الذين قالوا: ربنا اللـه ثم استقاموا، الذين يدعون إلى اللـه
ويعملون الصالحات، وأنهم من المسلمين، والذين جاهدوا ويجاهدون في سبيل
اللـه حق جهاده، ليكون الرسول شهيداً عليهم ويكونوا شهداء على الناس،
قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في
سبيل اللـه، ولا يخافون لومة لائم، رجال صدقوا ما عاهدوا اللـه عليه
فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.. على أن مع أولي
البصيرة والعزم من الرجال آخرين طالماً ساءتنا سذاجتهم، التي كثيراً ما
أغار علينا الأعداء من ثغرها، وآخرين يعوزهم العزم حين يطلب الأمر أولي
عزم من الرجال، وكم من كلمة تهز عروش الطواغيت أو هزة توقظ النيام كان
ينبغي أن يقام بها، ولكن من كان مرشحاً لذلكم لم يكن من أولي عزم من
الرجال، واللـه المستعان!
والآن فإليكم حديثاً ننفس بمناجاتكم
به عن أنفسنا كرباً ما أعظمه من كرب ونشتكي إلى اللـه!
يا معشراً أنبئونا أننا خلقنا من ذكر
وأنثى وجعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف، وأن أكرمنا عند اللـه أتقانا.
إليكم حديث شعب طالماً نسيت رحمهم وما قد خلقوا عليه من فضل، فنكروا في
جحد بما لهم عنداللـه من كرامة، شعب لا كعلوا العالين عليهم علو عال،
ولا كاستضعافهم بعد أن جعلوا شيعة الاستضعاف، ولا كسومهم سوء العذاب
حين أصبحوا يذبحون أبناءهم ولا تستحيا نساؤهم سوم سوء عذاب، أولئكم
(الكورد) شعب العلماء المفسرين والمحدثين والفقهاء والنساك والأمراء
الصالحين، شعب قدم الصدق في نصر اللـه والدفاع عن المستضعفين، ألستم
ترون إنما ينقم الناقمون منهم أنهم لا يرضون بما قد بلغهم من الإسلام
بديلاً؟!
أو لستم ترون لو أن غيرهم أصابه مثل
ما أصابهم لتخلى عما ينقم الناقمون منه تخلياً؟ ولقد كانوا يوم هب
اليهود والنصارى يعضون أرض الإسلام تعضية ممن وقع عليهم كبر البلاء
العظيم، فالعرب مثلاً إنما قسمت أرضهم بينهم، وأما الكورد فإن أرضهم
قطعت خمس قطعات، احتل قطعة منها الكفر الروسي، ووضعت قطعة أخرى في يد
الارتداد الأتاتوركي، واخطتفت قطعة ثالثة بل احتفظ بها المكر الكسروي،
وتركت الاثنتان الباقيتان لعمالتين كانا من المقدر لهما أن تؤولا فيما
بعد إلى فرعي الارتداد البعثي.
لا تسألونا عما ذاق الكورد في ايران
وكذلك الذين في سائر القطعات بسبب كرديتهم! لا تسألونا! فإننا نخاف إن
أجبنا أن يتهمنا فريق من المسلمين بل فريق من الدعاة إلى اللـه
بالعصبية القومية، فإنهم ما أتى عليهم يوم يكون تكلمهم بلسان أمهم أو
لبسهم لباسهم القومية جريمة تسبب ضنك العيش، بل تسبب في بعض الأحيان
إعدام الحياة!
لا تسألونا فإننا نخاف أن يتهمونا وهم
أحق بإدراك واجب داعي الحق حين يحمل واجب الدعوة لأناس منهم من قد
استضعفه طاغوت من قوم آخرين، كأنهم ما سمعوا ماقص اللـه علينا من أن
كون بني اسرائيل في قبضة استضعاف فرعون اقتضى أن يكون على الداعي
المرسل إلى الناس إذ ذاك واجبان:
1-دعوة الناس وعلى رأسهم فرعون الى
عبادة اللـه واجتناب الطاغوت.
2-ودعوة فرعون وملأه إلى ترك استضعاف
بني اسرائيل وتأديتهم الى الداعي وارسالهم معه، فإلى اللـه المشتكى
ومعكم المناجاة!
يا معشر الغيارى! ويا من في مناجاتهم
نسيان الآلام! لولا أن بلاءنا لا يماثله بلاء ما اشتكينا وما ناجينا،
فإننا أصحاب البلايا، ولكن بلاءنا هذا أعظم من العظيم، إنه يوم حلبجة!
وما أدراكموا ما يوم حلبجة؟
إنه يوم تداعى علينا فيه الكفر والشرك
والنفاق والارتداد، إنه يوم أنزلت فيه نار السموم من سموم الكيمياء على
سبعين ألفاً من الرجال والنساء والولدان، ألستم تشاركوننا في التوجع من
تقتيل زهاء ثمانية وعشرين ألفاً ــ كما بلغنا عن بعض من أتانا ــ
بالسموم وإحراقهم بالسموم؟
أولستم تعذروننا في البكاء على موتى
لايجرؤ أقاربهم على أن يواروهم في التراب، فضلاً عن أن يغسلوهم
ويكفنوهم؟!
ولا تحسبونا نأسى على ما فاتنا، إنه
التأسف من هوان الأولياء وشماتة الأعداء والتوجع مما هو كائن، لا الأسى
على ما فات، والحزن على ما كان!
إنه الاغتياظ من الاستهزاء والاتجار
بجرحى الحريق والآلام! ومن أسر البقية الباقية الملجئة إلى اللياذ من
النار بالزمهرير، ومن التفريق بين الولدان الأسرى والأباء والأمهات بعد
أن غنمت الأموال ودمرت المساكن، إنه تقطع قلوب الغيارى من هتك حرمات
الأخوات والأزواج والأمهات والبنات!
إنه التألم من تصور اضطرار الآباء إلى
ترك فلذات الأكباد في عقبات الجبال!
ومن تذكر تردي الوليد من يد الوالد،
وهو عاجز إلا عن ادلاء نظرات متحسرات، إنه يوم حلبجة؛ الذي أنسانا خراب
عشرات من قرى ومدن كوردستان!
يا معشر النبيين! نخالكم الآن
تسألوننا قائلين: فكيف لم تموتوا إذاً كمداً؟ فنقول: نعم، إن ذلكم لمما
ينبغي أن يموت المرء عند مصابه كمداً، ولكننا نحن قد هانت علينا
العزائم، فإننا طالما أرسلت علينا البلايا تترى.
ففلسطين الأرض المختلسة، وكشمير الهند
المنكسة، وحماة سوريا المدنسة، وكثير غيرها، كلها ميادين إهلاك الحرث
والنسل، بل كل أرض من أرض الإسلام نصب عليها فرعون من المفسدين، وإن
كان لا يبلغ شيء منها مبلغ يوم حلبجة من أيام كوردستان!
صور من الرسالة: لأهل البصائر! ..وللسذج!..
وللأغبياء!
|